الصفحة الرئسية | هوية الشبكة | مراسلات |


المهدي في القرآن الكريم

القرآن الكريم، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فيه تبيان كل شيء، لا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ما فرطنا في الكتاب من شيء، وهو آخر الكتب السماوية، كما أن الإسلام آخر الأديان.

أترى القرآن يسكت عن هذا الحادث الجلل الذي يعتبر تبدلاً عظيماً في الحياة؟!

القرآن الذي أخبر عنه غلبة الروم على الفرس، وعن قيام دولة اليهود بالتعاون مع الدول الكبرى.

القرآن الذي أخبر عن يأجوج ومأجوج ومصيرهما في المستقبل.

القرآن الذي أخبر عن إمكانية غزو الفضاء بقوله تعالى:

(يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان).

أترى القرآن لا يخبر عن ظهور الإمام المهدي واستيلائه على الحكم؟

كلا، إن القرآن الحكيم أخبر عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وقيام حكومته في مواضع عديدة وآيات متعددة.

وهذه الآيات مؤولة بالإمام المهدي وظهوه كما صرح بذلك أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين أنزل القرآن في بيوتهم، وأهل البيت أدرى بما في البيت.

وإليك بعض تلك الآيات:

الآية الأولى:

(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون).

ونهج البلاغة ج3 قال علي (عليه السلام):

لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها، وتلا (عليه السلام) ـ عقيب ذلك ـ قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين).

قال ابن أبي الحديد في شرحه: إن أصحابنا يقولون: إنه وعد بإمام يملك الأرض ويستولي على الممالك.

أقول: هذا الحديث مروي بطرق عديدة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولعل الحديث يحتاج إلى شيء من الشرح،: (لتعطفن) يُقال: عطفت الناقة على ولدها أي حنت عليه ودر لبنها، (شماسها) يُقال: شمس الفرس يشمس: أي استعصى على راكبه ومنع ظهره من الركوب، (الضروس): الناقة السيئة الخلق، تعض حالبها.

ومعنى كلامه (عليه السلام): إن الدنيا تقبل على أهل البيت (عليهم السلام) بعد الجفاء الطويل والمكاره الكثيرة، والمقصود: قيام حكومته أهل البيت وانتصاراتهم على أعدائهم، وتذلل جميع الصعوبات التي وقفت حجر عثرة في طريق نهضتهم المقدسة، وتسهل لهم الدنيا لهم صعوبتها، وتحلو بعد مرارتها، وتخضع بعد تمردها، وتنقاد بعد عصيانها.

وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:

المستضعفون في الأرض، المذكورن في الكتاب، الذين يجعلهم الله أئمة: نحن أهل البيت، يبعث الله مهديهم فيعزهم ويذل عدوهم.

لقد سبقت هذه الآية الشريفة آية تتحدث عن فرعون وجرائمه- فقال عز وجل: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض). فالمعنى الظاهري هو أن الله يعيد لبني اسرائيل عزهم وكرامتهم ويهلك فرعون وزيره هامان وجنودهما.

ولكن تأويل الآية ـ أي معناها الخفي غير المعنى الواضح الجلي ـ هو أن المقصود من المستضعفين في هذه الآية: هو آل محمد (عليهم السلام) فقد استضعفهم الناس وظلموهم وقتلوهم وشردوهم وصنعوا بهم ما صنعوا، وقد قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله):

(أنتم المستضعفون بعدي)،

وهذا ماحدث فعلا فإن آل محمد (عليهم السلام) استضعفهم الناس من يوم فارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه الحياة، ولو راجعت كتاب (مقاتل الطالبيين) وغيره من الكتب لوجدت –هناك- أنواع المصائب والمآسي والنوائب التي انصبت على آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأن أصحاب السلطة والقدرة استضعفوا هذه الذرية الطاهرة فصنعوا بهم ما شاءت نفوسهم الممتلئة بالحقد والجبروت، حتى وصل الأمر إلى أن الناس كانوا يهدون رؤوس آل محمد إلى الحكام تقربناً إليهم وتفريحاً لقلوبهم، كما فعل ذلك جعفر البرمكي وغيره، وأي استضعاف أشد من هذا؟!.

ولكن الله تعالى قد تعلقت إرادته أن يتفضل على هذه الذرية الطاهرة المظلومة –عبر التاريخ- وعلى أتباعهم وشيعتهم المضطهدين الذين كانوا ولا يزالون يعيشون تحت الضغط والكبت والذل والهوان، المحرومين من أبسط حقوق البشر، الذين سلبتهم السلطات كل حرية وكل كرامة، أن يتفضل عليهم بحكومة تشمل الكرة الأرضية ومن عليها وما عليها.

حكومة حدودها القطبان المنجمدان الشمالي والجنوبي، وجميع المحيطات المترامية الأطراف، وهي الحكومة الوحيدة التي تحكم الأرض ومن عليها، بلا مزاحم أو منافس، وتكون لهم السلطة التامة والقدرة الكاملة.

عن هذه الآية يمكن أن نقول: من الممكن أن يستفاد هذا التأويل من نفس ظاهر الآية، ومن قوله تعالى: (ونريد أن نمن) بلفظ المستقبل، لأن نزول الآية كان بعد آلاف السنين من عصر موسى (عليه السلام) وفرعون، وكان من الممكن أن يقول سبحانه: وأردنا أن نمن. أو: مننا على الذي استضعفوا. كما قال في مكان آخر، بل في أمكنة أخرى:

(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً).

(كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم).

(ولقد مننا عليك مرة أخرى).

(ولقد مننا على موسى وهارون).

ذكر الله تعالى هذه الآيات بلفظ الماضي، وهنا ذكرها بلفظ المستقبل فقال: ونريد أن نمن.

وهكذا قوله تعالى: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) فإنه تعالى لم يقل: وأرينا فرعون وهامان.

وهكذا قوله سبحانه:

(نريد) و(نجعلهم) و(نجعلهم) أيضاً، و(نمكن) و (نري) حيث جاءت جميع هذه الألفاظ الستة بصيغة المستقبل لا الماضي.

ولعل قائلاً يقول: إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا قد هلكوا قبل نزول الآية بآلاف السنين، فكيف يمكن تأويل الآية إلى المستقبل؟

الجواب: لقد صار اسم (فرعون) رمزاً لكل سلطان متجبر جائرٍ يتجاوز في ظلمه، فلكل عصر فرعون، ولكل أمة فراعنة.

وقد روي عن الإمام محمد الباقر جعفر الصادق (عليهما السلام) –في تأويل هذه الآية-

أن المراد من: (فرعون وهامان) –في هذه الآية- هما رجلان من جبابرة قريش، يحييهما الله تعالى عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)- في آخر الزمان –فينتقم منهما بما أسلفا.

(وجنودهما) أتباع الرجلين، الذين تعاونوا معهما، وساروا على خطهما، وأحيوا ذكرهما.

الآية الثانية:

(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).

هذه الآية من جملة الآيات المؤولة بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ومعنى الآية –على الظاهر-: أن الله تعالى وعد المؤمنين من هذه الأمة، الصالحين بأن يجعلهم يخلفون من قبلهم، أي يجعلهم مكان من كان قبلهم في الأرض، ومن الطبيعي أن البشر لا يعيش إلا في الأرض أي في الكرة الأرضية براً وبحراً، أي يورثهم الله أرض الكفار من العرب والعجم، ويجعلهم الله تعالى يتصرفون في الأرض ويحكمون فيها كما استخلف الله تعالى بعض أوليائه من قبل، وأعطاهم السلطة والإمكانيات والقدرة في تطبيق دين الله الذي ارتضاه لهم، وتتبدل حالة خوفهم إلى حالة الأمن والأمان، لا يخافون أحداً إلا الله، ولا يقدر عليهم أحد من أصحاب القدرة والسلطة، يعبدون الله تعالى بلا خوف ولا تقية من أحد، ويتجاهرون بالحق بكل وضوح.

وخلاصة البحث: أن الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين من هذه الأمة بمجتمع طاهر من كل رجس، وحياة طيبة مقدسة فاضلة، هذا هو المعنى الظاهري للآية الكريمة.

إن هذا الوعد الإلهي –المؤكد بلام القسم ثلاث مرات؟ وبنون التأكيد ثلاث مرات أيضاً- لم يتحقق إلى يومنا هذا، ومتى كان المؤمنون الصالحون يتمكنون من الحكم على الناس وتطبيق الإسلام بكل حرية، وبلا خوف من أحد؟!.

ومن هم المؤمنون الذين عملوا الصالحات الذين وعدهم الله تعالى بهذا الوعد العظيم؟!.

ولو راجعت تاريخ الإسلام والمسلمين منذ طلوع فجر الإسلام إلى يومنا هذا لعلمت علم اليقين أن وعد الله تعالى لم يتحقق خلال ألف وأربعمائة سنة.

إنني لا أظن أن مسلماً منصفاً يقبل ضميره بأن يكون المقصود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الأمويون، أو العباسيون، لأن التاريخ المتفق عليه بين المسلمين –بل وغير المسلمين- يشهد بأن الأمويين والعباسيين ارتكبوا أعظم الجرائم، وأراقوا دماء أولياء الله، وهتكوا حرمات الله، وكانت قصورهم مليئة بأنواع الفجور والمنكرات.

وبعد هذا... متى تمكن دين الله ـ الذي ارتضاه لعباده ـ في الأرض؟

حتى يتحقق قوله تعالى:

(وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم).

إن الدين الإسلامي كان ولا يزال مهجوراً ضعيفاً يحاربه كل من يستطيع محاربته، إذهب إلى بلاد الصين أو الإتحاد السوفيتي أو بعض البلاد الإفريقية والأوربية حتى تعرف الخوف المستولي على البقية الباقية من المسلمين، والاضطهاد الذي شملهم من جميع جوانب حياتهم، وفي بعض البلاد اللادينية يتعبر اقتناء القرآن أعظم جريمة يستحق الإنسان عليها أعظم العقوبات وأشد أنواع التعذيب، ولا تسأل عن عشرات الملايين من المسلمين الذي قتلوا لأنهم مسلمون وهذا ذنبهم الوحيد، ففي بلاد الصين والإتحاد السوفياتي، ويوغوسلافيا أُقيمت المذابح والمجازر الرهيبة وسالت دماء المسلمين، وحتى اليوم يعاني المسلمون في الفيليبين أنواع الضغط والكبت والحرمان، وفي فيتنام لا يعلم أحد إلا الله عدد المسلمين الذين قتلهم الشيوعيون، ولا تسأل عن عشرات الآلاف من المساجد التي انقلبت إلى اصطبلات ومخازن ومسارح وكنائس، فمتى تحقق وعدُ الله؟!.

من الممكن أن يقول القائل: بأن الإسلام تمكن في الجزيرة العربية وبلاد الشرق الأوسط من البلاد وخاصة في عهد الفتوحات الإسلامية.

نجيب على هذا السؤال بما يلي:

نحن لا ننكر ذلك، فالإسلام كان يحكم على المدينة المنورة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذن فما معنى هذا الوعد الألهي الذي يقول: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) إلى آخر الآية؟.

إن معنى هذا الوعد أن الإسلام يحكم على الأرض أي على الكرة الأرضية، والمسلمون يقيمون الطقوس والشعائر الدينية بلا خوف ولا تقية، وأن جميع المناطق المعمورة والمسكونة يسودها الإسلام فقط ولا غيره، وهذا لم يتحقق إلى هذا اليوم.

إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ذكروا في تأويل هذه الآية الكريمة أن الوعد الإلهي يتحقق عند ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والأحاديث تصرح بأن هذه الآية ستنطبق على عصر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وإليك بعض تلك الأحاديث:

في تفسير مجمع البيان للطبرسي وتفسير العياشي وغيرهما عن الإمام علي ابن الحسن (عليه السلام) أنه قرأ الآية وقال:

هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل الله ذلك بهم على يد رجل منا، وهو مهدي هذه الأمة، وهو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملأت ظلماً وجوراً.

وروي نفس هذه الكلام عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام).

ثم قال الطبرسي: فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات: النبي وأهل بيته (عليهم السلام) وتضمنت الآية البشارة لهم بالإستخلاف، والتمكن في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

وأضاف قائلاً: وعلى هذا إجماع العترة الطاهرة، وإجماعهم حجة، لقول النبي (صلى الله عليه وآله):

(إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)،

وأيضاً فإن التمكن في الأرض على الإطلاق لم يتفق فيما مضى، فهو منتظر، لأن الله (عز اسمه) لا يخلف وعده.

الآية الثالثة:

(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون).

إن كان المفسرون قد اختلفوا في معنى الزبور، ومعنى الذكر في هذه الآية، فليس الإختلاف جوهرياً، سواء كان المقصود من الزبور –هنا- هو الكتاب السماوي المنزل على النبي الله داود (عليه السلام)، أو كان المقصود من الزبور هو جنس ما أنزل الله على الأنبياء من الكتب، وسواءاً كان المقصود من الذكر في هذه الآية التوراة أو القرآن أو اللوح المحفوظ، -فالمعنى على حد قول المفسرين-: ولقد كتبنا في الكتاب التي أنزلناها على الأنبياء أو في الزبور نزل على داود (عليه السلام) من بعد كتابه في الذكر –أي في أم الكتاب الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ أو التوراة أو القرآن-: أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

وقد روى الطبرسي وغيره في تفسير الآية عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) أنه قال:

هم أصحاب المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان.

إن الموضوع الذي كتبه الله تعالى في الزبور –بجميع معانيه- وفي الذكر ينبغي أن يكون موضوعاً له غاية الأهمية، وخاصة بعد الإنتباه إلى كلمة (لقد) و (أن) المستعملة للتحقيق والتأكيد، فإن كان المفسرون ذكروا أن المقصود من (الأرض) في هذه الآية أرض الجنة ليكون المعنى: أن عباد الله الصالحين يرثون أرض الجنة، أو المقصود هي الأرض ترثها الأمة الإسلامية بالفتوحات فهذا معنى التنزيل.

وأما التأويل –وقد ذكرنا معناه- فيكون المعنى أن عباد الله الصالحين يحكمون الأرض كلها، وقد روى الشيخ الطوسي (عليه الرحمة) في التبيان في تفسير الآية عن الإمام الباقر (عليه السلام): أن ذلك وعد الله للمؤمنين بأنهم يرثون جميع الأرض.

وهذه الآية تشبه الآية السابقة من حيث المعنى، حيث يقول تعالى: (ليستخلفنهم في الأرض) وما أجمل التعبير بالإرث والإستخلاف في هاتين الآيتين، فالإرث انتقال المال من الميت إلى الحي، والإستخلاف جعل هذا مكان ذاك عوضاً منه وبدلاً عنه.

الآية الرابعة:

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).

لقد تكررت هذه الآية في القرآن ثلاث مرات، مما يدل على أهمية الموضوع.

ولقد تكرر منا الكلام حول التنزيل والتأويل، وهذه الآية أيضاً لها تنزيل وتأويل، فالتفسير أو التنزيل للآية: أن الله تعالى أرسل رسوله محمداً (بالهدى) من التوحيد وإخلاص العبادة، (دين الحق) وهو دين الإسلام (ليظهره) الظهور –هنا-: العلو بالغلبة بكل وضوح، قال تعالى:

(كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا إلا ولا ذمة) أي يغلبوكم ويظفروا بكم.

فمعنى: (ليظهره على الدين كله) أي يعلو ويغلب دين الحق على جميع الأديان، فإن كان هذا الكلام قد تحقق وكانت الإرادة الإلهية قد تنجزت فالمعنى أن الله تعالى قد أدحض وزيف جميع الأديان الباطلة والملل والشرائع المنحرفة، زيفها بالقرآن وبالإسلام، وبعبارة أوضح إن الإسلام قد أبطل ونسخ جميع الأديان، ورد على كل مُلحد أو زنديق وعلى كل من يعبد شيئاً غير الله.

أما إذا أردنا أن نتحدث عن الآية عددهم أقل من ربع سكان الأرض، فإن هذا الهدف الإلهي لم يتحقق بعد، فالمسلمون عددهم أقل من ربع سكان الأرض، والبلاد الإسلامية تحكمها قوانين غير إسلامية، والأديان الباطلة تنبض بالحياة والنشاط، وتتمتع بالحرية، بل تجد المسلمين في بعض البلاد أقلية مستضعفة لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، إذا فأين غلبة الحق على الباطل، وأين قوله تعالى: (ليظهره على الدين كله) وفي أي تحقق هذا المعنى؟.

إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ذكروا في تأويل الآية أنها تتعلق بعصر الإمام المهدي (عليه السلام) وظهوره.

وأما الأحاديث الواردة في تأويل الآية فإليك بعضها:

في كتاب مجمع البيان –في تفسير الآية- عن عبابة أنه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) أظهر ذلك بعد؟

قالوا: نعم. قال (عليه السلام):

كلا، فو الذي نفسي بيده حتى لا تبقى قرية إلا وينادي فيها بشهادة أن لا إله إلا الله بكرة وعشياً. وفي تفسير البرهان: فلا، والذي نفسي بيده حتى لا تبقى قرية إلا ونودي فيها: بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بكرة وعشياً.

وفي تفسير البرهان ـ أيضاً ـ عن ابن عباس في قوله (عز وجل):

(ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)

قال: لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا صاحب ملة إلا صار إلا الإسلام، حتى تأمن الشاة والذئب والبقرة والأسد، والإنسان والحية، حتى لا تقرض فارة جرباً وحتى توضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، وهو قوله تعالى:

(ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)

وذلك يكون عند قيام القائم (عليه السلام).

وفي تفسير البرهان عن كتاب الكافي عن أبي الفضيل عن الإمام أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) قلت: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)؟

قال (عليه السلام): هو أمر الله رسوله بالولاية والوصية، والولاية: هي دين الحق.

قلت: ليظهره على الدين كله)؟ قال(عليه السلام):

يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم (عليه السلام).

وروى القندوزي الحنفي في كتابه (ينابيع المودة) والمجلسي (رضوان الله عليه) في كتابه (بحار الأنوار) عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية حديثاً، أما ما ذكره القندوزي فهو كما يلي:

قال (عليه السلام):

والله ما يجيء تأويلها حتى يخرج القائم المهدي (عليه السلام) فإذا خرج لم يبق مشرك إلا كره خروجه، ولا يبقى كافر إلا قُتل.. إلى آخر الحديث.

وأما ما ذكره المجلسي: فعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى في كتابه: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) فقال (عليه السلام):

والله ما أُنزل تأويلها بعدُ. قلت: جعلت فداك ومتى ينزل؟ قال: حتى يقوم القائم إن شاء الله فإذا خرج لم يبق مشرك.. إلى آخر الحديث.

إن الآيات المأولة بالإمام المهدي –حسب ما ورد في الأحاديث- كثيرة جداً وقد جمع بعضها العلامة المعاصر السيد صادق الشيرازي في كتاب سماه: (المهدي في القرآن) فإنه ذكر (106) من الآيات المأولة بالإمام المهدي (عليه السلام) وقد نقلها عن مصادر أهل السنة فقط، ولو أردنا استعراض تلك الآيات والأحاديث الواردة في تأويلها لطال بنا الكلام، وفي هذا المقدار كفاية إن شاء الله.